Top

الأوقاف الخضراء في المغرب: من الطهارة والنظافة إلى حماية الماء والبيئة

بقلم: د. محمد بونعناع إطار تربوي وعضو المجلس العلمي المحلي لطانطان

قراءة حضارية في التجربة العلوية من الماضي إلى الحاضر

عرف المغرب، في ظل الدولة العلوية الشريفة، تجربة وقفية فريدة لم تقتصر على دعم المساجد والزوايا والتعليم، بل امتدت لتشمل النظافة العامة، حماية البيئة، تدبير الماء، وتحسين شروط العيش داخل المدن، في نموذج حضاري مبكر لما يُعرف اليوم بالتنمية المستدامة.

أوقاف النظافة والطهارة: بيئة نظيفة باعتبارها عبادة

منذ القرون الأولى للعهد العلوي، انتشرت أوقاف خُصص ريعها لتنظيف المدن، تعبيد الطرق، رفع الأذى، إنارة الأزقة، وإنشاء الحمامات والسقايات، إدراكًا بأن الطهارة ليست شأنًا فرديًا، بل مسؤولية جماعية.

ففي القرن التاسع عشر، خصصت أوقاف مدينة الرباط مرافق خاصة لإيواء أبقار وبهائم السكان خارج الأحياء السكنية، حمايةً للساكنة من الروائح والأضرار الصحية. وفي تطوان، وُجد وقف خاص بكنس الطرق ورشّها بالماء، إضافة إلى تخصيص أجور منتظمة للعمال المكلفين بتنظيف المرافق الصحية.

وتكشف المراسلات السلطانية عن هذا الوعي البيئي المبكر؛ إذ شدّد السلاطين العلويون، ومنهم المولى الحسن الأول، على ضرورة إصلاح المساجد وتنظيف محيطها، معتبرين ذلك من أولى مقاصد الوقف، حتى قبل أي اعتبار مالي.

الحمامات الوقفية: الطهارة في خدمة العمران

لم تكن الحمامات مجرد مرافق خدمية، بل مراكز للطهارة الجماعية، غالبًا ما تجاور المساجد. وقد تجلّى هذا التصور الحضاري بوضوح في مشروع مسجد الحسن الثاني، الذي أشرف على تشييده الملك الحسن الثاني.

فقد جُهّز المسجد بحمامات واسعة، تقليدية وصحية، ومرافق وضوء حديثة بطاقة استيعابية كبيرة، مع اعتماد معايير دقيقة للنظافة والصيانة، في انسجام تام بين الجمالية المعمارية والطهارة الحسية، بما يعكس مكانة النظافة في التصور الديني والعمراني المغربي.

من الوقف التقليدي إلى المقاربة المؤسسية الحديثة

في العصر الحديث، لم تعد العناية بنظافة المساجد والمرافق العامة مجهودًا تقليديًا معزولًا، بل تحولت إلى سياسة عمومية مؤطرة تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من خلال:

تخصيص مكافآت لعمال النظافة

تجهيز المساجد بمعدات حديثة

إدماج النظافة ضمن مشروع تسديد التبليغ، باعتبارها قيمة دينية وسلوكية

وهكذا، أصبح المسجد فضاءً يجمع بين الطهارة المادية والسمو الروحي، في انسجام مع رسالة الإسلام في بناء “الحياة الطيبة”.

متحف محمد السادس لحضارة الماء: الوقف الأخضر في أبهى تجلياته

يمثل متحف محمد السادس لحضارة الماء نموذجًا معاصرًا للوقف الأخضر، أُحدث بتوجيه من الملك محمد السادس، لتوثيق العبقرية المغربية في تدبير الماء عبر العصور.

هذا الصرح الثقافي لا يكتفي بعرض أدوات وتقنيات مائية تاريخية، بل يقدّم رؤية متكاملة تجعل من الماء:

قيمة روحية

موردًا اقتصاديًا

عنصرًا بيئيًا استراتيجيًا

كما يُبرز دور الأوقاف في ضمان الأمن المائي، عبر السقايات، والآبار، ونظم التوزيع العادل، ويُرسّخ الوعي بأن الماء أمانة شرعية ومسؤولية جماعية.

مقاصد الوقف الأخضر: من العبادة إلى التنمية

يُجسّد الوقف الأخضر التقاء المقاصد الشرعية الكبرى:

مقصد تعبدي: طلب الثواب واستمرار الأجر

مقصد اجتماعي: تحقيق التكافل وخدمة الفئات الهشة

مقصد اقتصادي: دعم التنمية المستدامة

مقصد بيئي: حماية الموارد الطبيعية للأجيال القادمة

وهو ما يجعل الوقف البيئي مشروعًا حضاريًا شاملًا، لا مجرد تصرف مالي، بل رؤية تنموية بعيدة المدى.

المغرب نموذجًا رائدًا في ربط الوقف بالبيئة

تؤكد التجربة المغربية، قديمًا وحديثًا، أن الأوقاف كانت ولا تزال أداة استراتيجية لحماية البيئة، من خلال:

ترشيد استهلاك الماء

اعتماد الطاقات المتجددة في المساجد

تقليص الانبعاثات الملوثة

تحسين جودة العيش داخل المدن

وهي اختيارات تضع المغرب في طليعة الدول التي نجحت في دمج الدين بالبيئة، والوقف بالتنمية.

خاتمة

يظهر بجلاء أن الوقف الأخضر والمائي في التجربة العلوية لم يكن إجراءً ظرفيًا، بل مشروعًا حضاريًا متجذرًا، يربط بين العبادة، والخدمة الاجتماعية، وحماية البيئة، وتحقيق الأمن المائي والغذائي.

وإذ تستمر هذه الرؤية في عهد الملك محمد السادس، فإن الوقف يظل ركيزة أساسية لبناء تنمية مستدامة، تحفظ الموارد، وتخدم الإنسان، وتُجسد المعنى العميق لـ«الحياة الطيبة» في النموذج المغربي.

اترك تعليقا