Top

كاميرات تراقب ولا تراقب.. قراءة في صفقة “العين الساهرة” بمقر عمالة طانطان

حمادي سركوح

مرّ على إقليم طانطان عدد غير قليل من العمّال. وجوه مختلفة، أساليب متباينة، أولويات تتغيّر بتغيّر السياق والزمن. عمّال جاءوا وذهبوا، بعضهم ترك بصمة، وبعضهم مرّ مرور العابرين، فيما ظلّ مقرّ العمالة، ببنايته الرمزية ووظيفته السيادية، ثابتا في المكان، شاهدا صامتا على تعاقب السلطة الإدارية.

طوال هذه السنوات، لم يكن مقر العمالة يوما فضاء “مظلما” أو خارج السيطرة، ولم تُسجَّل ـ على الأقل في الذاكرة الجماعية للساكنة ـ أحداث استثنائية تطرح سؤال الأمن الداخلي بهذا الإلحاح. ومع ذلك، ها نحن اليوم أمام صفقة عمومية تُعلن عن مشروع متكامل لنظام مراقبة ذكي بالكاميرات ونظام للتحكم في الولوج، بكلفة تناهز مليوني درهم.

السؤال لا يُطرح من باب الرفض، ولا من منطلق سوء النية، بل من زاوية بسيطة ومشروعة: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الحجم؟ ما الذي تغيّر حتى يصبح مقر العمالة، اليوم بالذات، في حاجة إلى مئة وأربع (104) كاميرات، وخوادم تخزين، وشاشات عملاقة، ونظام مراقبة يعمل على مدار 24/7؟ هل تغيّرت طبيعة المخاطر؟ أم تغيّر تصوّر الإدارة لمفهوم “الأمن” و”التدبير”؟ أم أن الأمر يدخل في سياق وطني أوسع يعيد تعريف العلاقة بين الفضاء الإداري والمراقبة الرقمية؟

الوثائق التقنية المرفقة بالصفقة تكشف عن منظومة دقيقة: ثماني كاميرات متطورة من نوع PTZ للمراقبة البانورامية والمتحركة، و52 كاميرا خارجية للرؤية الليلية، و44 كاميرا داخلية عالية الدقة، وأجهزة رؤية ليلية بالأشعة تحت الحمراء، وخوادم للتخزين والمعالجة، وشاشات مراقبة ضخمة مقاس 86 بوصة، وبرمجيات متخصصة في إدارة الفيديو (VMS). نحن إذن أمام نظام مراقبة متكامل، لا مجرد كاميرات عادية.

وهنا يبرز سؤال آخر، أكثر حساسية: هل تقتصر هذه المنظومة على الصورة فقط، أم تشمل ـ بشكل مباشر أو تقني محتمل ـ التقاط الصوت؟ الوثائق المتاحة صامتة بشأن هذا الأمر، لكن السؤال مشروع، فمعظم كاميرات المراقبة الحديثة، خاصة من نوع PTZ، تتوفر على إمكانيات تقنية لتسجيل الصوت إما عبر ميكروفون مدمج أو عبر وصلات خارجية. وإن كان الجواب بالنفي، فهل الوثائق تضمن ذلك صراحة؟ لأن الفارق بين المراقبة البصرية وتسجيل الصوت ليس تفصيلاً تقنيًا، بل خطًا فاصلًا قانونيًا وأخلاقيًا، خاصة داخل إدارة عمومية يفترض فيها احترام خصوصية المرتفقين والموظفين معًا.

من الناحية القانونية، يتعامل المشرع المغربي مع الصوت باعتباره “معطى شخصياً” لا يختلف عن الصورة. وإذا كان المبدأ العام يقتضي بأن تسجيل الصوت في الأماكن العامة أو في مكان العمل محظور، فإن القانون يستثني حالات الضرورة القصوى للأمن العام، شريطة الحصول على تراخيص استثنائية وموافقة مسبقة من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP. فهل سلكت العمالة هذا الطريق؟ الوثائق المتاحة لا تقدم جواباً، وإغفال هذا البعد في دفتر التحملات قد يوقع الصفقة في إشكالات قانونية كبرى، تصل إلى حد المساءلة الجزائية.

ثم هناك سؤال الكلفة. المبلغ التقديري للصفقة هو 1907478.00 درهم (مليون وتسعمائة وسبعة آلاف وأربعمائة وثمانية وسبعون درهم)، مع ضمان مؤقت قدره 38100.00 درهم، وموعد لفتح الأظرفة يوم 5 ماي 2026. مليون و900 ألف درهم تقريبا رقم ليس بسيطا في إقليم يعرف خصاصا في مجالات أخرى أكثر التصاقا بالحياة اليومية للمواطن. وهو ما يفتح، بطبيعة الحال، نقاش الأولويات في تدبير الموارد العمومية على المستوى الإقليمي. قد تكون الكلفة مبرَّرة تقنيا، وقد لا تكون كذلك، لكن الحكم الحقيقي سيبقى معلقا إلى حين الإعلان عن الشركة التي سترسو عليها الصفقة، وطريقة التنفيذ، وجودة التجهيزات، ومدى احترام دفتر التحملات، وما إذا كان هناك من سيراقب “المراقب”.

هنا، ودون أي تهويل أو إسقاط قسري، تحضر رواية 1984 لجورج أورويل كمرآة فكرية، لا كاتهام. حين كتب أورويل عن “الأخ الأكبر” الذي يراقب الجميع، لم يكن يتحدث فقط عن الكاميرا، وإنما عن الفكرة: متى تتحول المراقبة من أداة حماية إلى إحساس دائم بأنك مرئي، حتى عندما لا يكون هناك خطر؟؟ الفرق الجوهري، طبعا، أن الدولة الحديثة تشتغل بمنطق القانون والمؤسسات، لا بمنطق الرواية الديستوبية. لكن استحضار الأدب هنا تنبيها ناعما إلى أن الحدّ بين الأمن والطمأنينة، وبين المراقبة والارتياب، خيط رفيع.

إلى ذلك، لا أحد يصدر حكما مسبقا. ولا أحد يوزّع النوايا. لكن الصحافة، حين تطرح الأسئلة في وقتها، إنما تقوم بوظيفتها الطبيعية: المراقبة..! في زمن أصبحت فيه المراقبة نفسها موضوعا للنقاش.

اترك تعليقا