تقديم:
في إطار مشاركة التلميذات والتلاميذ في مسابقة الصحفيون الشباب من أجل البيئة، تنشر جريدة نقطة بريس هذا التقرير الصحفي كما توصلت به، والمنجز من طرف تلميذات الثانوية الإعدادية الشيخ أحمد الهيبة، التابعة للمديرية الإقليمية عين الشق – الدار البيضاء، تحت عنوان:”كارثة عائمة… ونهايتها على الرمال” وذلك تحت تأطير الأستاذة فاطمة الزهراء البوجي، ومن إنجاز التلميذات: يسرى لكحل – فاطمة الزهراء بن زليم – بوراتن خديجة.
النص منشور كما هو دون أي تعديل.
في قلب كورنيش الدار البيضاء، حيث يلتقي زقاق المدينة بالبحر الأزرق، وتختلط رائحة البحر المالحة بنسمات الصباح، تمتد صورة واقعية، يحاول الزوار والصيادون التكيف معها رغم كل الفوضى، حيث تزامن هذا المشهد مع انقلاب إحدى سفن الشحن قبالة الشاطئ نتيجة الأمواج العاتية والظروف الجوية المتقلبة، مما ساهم في تفاقم القلق والفوضى على المكان. زرت هذا الموقع لأقف على ما يصعب وصفه بالكلمات، لكنه بدا جليًا في المشاهد التي التقطتها عدسة الكاميرا.
الحدث، الذي يمكن أن يحدث في أي مدينة في العالم، يعكس أزمة متكررة بصور مختلفة: تلوث البحر، غياب الرقابة، والإخلال بسلاسل التموين الغذائي.
المشهد الأول: البحر يرمي ما لا يقدر على ابتلاعه
في كورنيش الدار البيضاء، تحول الشاطئ الذي اعتاد عليه السكان والزوار، إلى مشهد مأساوي بعد واقعة سقوط حوالي 85 حاوية من سفينة شحن في عرض البحر، قبالة مدخل الميناء، ساقت الأمواج العاتية محتوياتها نحو الشاطئ، فانتشرت أكوام من البلاستيك، والزجاجات الفارغة، وبقايا النفايات الأخرى على طول الشاطئ.

في هذا السياق، تنتشر في الهواء روائح مختلطة بين البحر والنفايات، فيما تبدو الرمال وكأنها فقدت براءتها الطبيعية، وأصبحت ملعبا للأطفال الذين يركضون بين الحطام دون وعي بخطره.
الحاويات مخصصة لجمع النفايات القليلة و الممتلئة، اما الكمية الأكبر فلا تزال مغمورة تحت سطح الماء، متوارية عن الأنظار، لكنها تشكل تهديدا أكبر للبيئة البحرية.
الطيور تبحث بلا جدوى عن أي بقايا، والحشرات تتجمع حول المخلفات، فيما يمر الصيادون والزوار متجاهلين، محاولين التكيف مع واقع صار مؤلما لكل من يعتاد على البحر.
الحاج مصطفى، صياد تجاوز الستين من عمره، قال بحسرة:
“لم يكن هذا الشاطئ هكذا من قبل، كنا نصطاد ونستمتع بالهدوء هنا، أما اليوم فالنفايات سبقتنا إلى البحر. نحاول التجاهل، لكن الوضع أصبح صعبا، والبحر لم يعد كما كان.”
المشهد الثاني: النورس الميت… يدق ناقوس الخطر في صمت

الصورة الثانية تبدو أكثر قسوة، بل أشبه بنداء استغاثة صامت على حافة البحر، ترقد طيور النورس نافقة، بأجنحة مبتلة وعيون جامدة فقدت بريق الحياة، بعد واقعة مؤلمة شهدتها المياه عرض البحر. حولها، تنتشر بقايا الأكياس البلاستيكية ومخلفات الحاويات التي قذفتها الأمواج، بينما يظل الجزء الأكبر من هذا التلوث غارقا في الأعماق، بعيدا عن الأنظار… كأن البحر يحاول لفظ ما عجز عن ابتلاعه.
المفارقة الصادمة، ان هذا النورس، الذي لم ينج من البحر، تحول الى شاهد حي على خطر خفي يتفاقم في صمت، وهذا ليس سوى جزء ضئيل من كارثة أعمق، حيث تواجه آلاف الكائنات البحرية المصير ذاته، بين ابتلاع البلاستيك أو الاختناق أو التسمم. ومع استمرار هذا الإهمال، لن يقتصر الخطر على البيئة البحرية فقط، بل سيمتد إلى موائدنا، مهددا سلامة الغذاء وصحة الإنسان بشكل مباشر.
وأمام هذا المشهد، تقف سيدة في الأربعين من عمرها، تحدق في النورس الميت والمخلّفات المتناثرة، لتقول“: لو فتحنا بطون هذه الطيور، ربما سنجد بقايا بلاستيك… ربما أكلت ما ظنته طعاما حتى هلكت. لا أجزم سبب موتها، فقد يكون تسمما أو مرضا، وهذا يحتاج إلى تحقيق، لكن المؤكد أن البحر لم يعد كما كان… وما يحدث هنا لا يهدد الطيور فقط، بل يهدد ما نأكله نحن أيضا.”
أسباب متعددة… والنتيجة واحدة
عند تحليل هذا المشهد، نجد أن أسبابه كثيرة و متعددة، من بينها:
.1 اضطرابات البحر وسقوط الحاويات: أمواج عاتية ورياح قوية، كانت كفيلة بإسقاط عشرات الحاويات في عرض البحر، لتتحول محتوياتها إلى قنابل بيئية مفتوحة تنتشر بلا حسيب ولا رقيب.
2. التلوث البلاستيكي والمواد الصناعية: ما خرج من تلك الحاويات لم يكن مجرد نفايات عادية، بل مواد قد تكون سامة أو غير قابلة للتحلل، ابتلعتها الكائنات البحرية فكانت نهايتها بطيئة ومؤلمة.
3. هشاشة أنظمة المراقبة والتدخل: غياب التدخل السريع والفعال لاحتواء الكارثة، وهذا ما سمح بانتشار المخلفات، لتتحول من حادث عرضي إلى أزمة بيئية ممتدة.
4. المناخ المضطرب يزيد الطين بلة: التغيرات المناخية لم تعد مجرد توقعات، بل واقع يضاعف من شراسة الأمواج، ويرفع من احتمال تكرار مثل هذه الحوادث.
5. السلوك البشري يزيد النزيف: الإهمال المستمر ورمي النفايات في البحر يجعلان من هذه الكارثة، حلقة ضمن سلسلة طويلة من التدمير البطيء للبيئة البحرية.
ما يظهر على الشاطئ ليس سوى بداية الحكاية، أما بقيتها فتُكتب في أعماق البحر. فالنورس الميت ليس إلا إشارة لما تعانيه الكائنات البحرية في صمت، حيث تنتقل آثار التلوث إلى الأسماك ثم إلى الإنسان. ومع استمرار هذا الإهمال، قد يتحول البحر الذي كان مصدرًا للحياة، إلى مصدر تهديد خفي يمسّ غذاءنا وصحتنا.
الجهود مستمرة…والبحر يصر على الفوضى
على الرغم من جهود رجال النظافة الذين يعملون على جمع الحاويات والمخلفات المنتشرة على رمال الشاطئ،
يواصل البحر يوميا إلقاء كميات جديدة من النفايات، وكأن الفوضى لا تعرف نهاية. هذه الدورة المستمرة تجعل المهمة صعبة، وتزيد من هشاشة البيئة البحرية.
تطرح هذه المشاهد سؤالا بسيطا، من المسؤول على هذه الحالة من التدهور؟ وكيف يمكننا إنقاذ الموقف وعدم تكراره؟
الجواب لا يمكن أن يلقى على طرف واحد فقط، فالصيادون، والزوار، ورجال النظافة، والبلدية، وحتى الدولة بمؤسساتها المختلفة، جميعهم مسؤولون، لذا يبدأ الحل بالاعتراف بخطورة الوضع، ثم بوضع خطة لإعادة التوازن للبيئة البحرية: عن طريق مراقبة الملاحة، تنظيم المخلفات في الموانئ والشواطئ، تكثيف حملات التوعية البيئية، وتوفير وسائل جمع النفايات، وتشجيع الجميع على حماية البحر والحياة التي يحتضنها.
ربما تبدأ أولى خطوات التغيير من مشهد النورس الميت والحاويات المتناثرة على الشاطئ، لتوقظ فينا الرغبة على التدخل قبل أن يتفاقم الوضع وتزداد الحوادث إلى أن يصبح الأمر لا رجعة فيه.
يدًا بيد، وبأنامل حداثية، سنزرع تنمية مستدامة وبيئة نظيفة، لتصبح حقيقة نعيشها جميعًا.

