عادت العلاقات المغربية–الفرنسية لتتصدر واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتعقّد التوازنات وتسارع التحولات. فبعد فترة من الفتور وسوء الفهم، يبدو أن الرباط وباريس تتجهان نحو إعادة بناء علاقتهما على أسس أكثر وضوحًا واستقرارًا، بما يراعي المصالح الاستراتيجية للطرفين.
في هذا الإطار، تتداول الأوساط السياسية والإعلامية حديثًا متزايدًا عن مشروع “معاهدة صداقة جديدة وشاملة” بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية، يُرتقب أن يؤطر مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، وينقلها من منطق التعاون الظرفي إلى شراكة استراتيجية أكثر بنيوية واستدامة.
ووفق ما أوردته تقارير إعلامية فرنسية، من بينها ما نشرته جريدة لوموند، فإن السلطات الفرنسية تشتغل على إعداد مسودة معاهدة ثنائية مع المغرب، تزامنًا مع حديث عن زيارة دولة مرتقبة قد يقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس، بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، وهي زيارة سبق تداولها في مناسبات سابقة قبل أن تتأجل، لتعود اليوم إلى صلب النقاش السياسي، مع ترجيحات بإمكانية تنظيمها خلال خريف سنة 2026، دون إعلان رسمي إلى حدود الساعة.
المعطيات المتداولة تشير إلى أن الطرفين أوكلا مهمة إعداد هذه المعاهدة إلى لجنة مشتركة تضم شخصيات من البلدين، تعمل على بلورة إطار تعاقدي جديد يُحصّن العلاقات الثنائية من التقلبات، ويضع أسس تعاون طويل الأمد في مجالات حيوية، من بينها الأمن، الاقتصاد، الطاقة، والهجرة، إضافة إلى القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
ويأتي هذا التقارب في سياق دولي دقيق، تطبعه توترات جيوسياسية متصاعدة، وأزمات طاقة، وتحولات في موازين القوى، فضلًا عن تطورات ملف الصحراء المغربية، الذي يشكل أحد محددات السياسة الخارجية للمملكة. كما يعكس هذا المسار إدراكًا فرنسيًا متزايدًا لأهمية المغرب كفاعل إقليمي محوري، وشريك لا غنى عنه في شمال إفريقيا والفضاء المتوسطي وإفريقيا جنوب الصحراء.
إن الحديث عن “معاهدة صداقة” بهذا المستوى، في حال خروجه إلى حيز الوجود، لا يمكن اعتباره مجرد وثيقة دبلوماسية، بل تعبيرًا عن إرادة سياسية لإعادة تعريف العلاقة بين بلدين تجمعهما روابط تاريخية، ومصالح متداخلة، وتحديات مشتركة. كما قد يشكل هذا الإطار التعاقدي اعترافًا عمليًا بمكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة، وشريك استراتيجي يحظى بندية متزايدة في تعامله مع القوى الأوروبية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية المقبلة، تبقى هذه المؤشرات دالة على رغبة مشتركة في فتح صفحة جديدة، قوامها الوضوح والاحترام المتبادل، وتجاوز منطق التدبير بالأزمات نحو بناء شراكة مستقرة، قادرة على الصمود أمام المتغيرات الدولية، وخدمة المصالح العليا للبلدين.
