Top

من العيون إلى النقاش الوطني: حين يتحول غلاء المعيشة إلى مقاطعة بلا شعارات

حمادي سركوح

تقدير من هيئة التحرير:

يناقش الكاتب في هذه الزاوية ظاهرة اجتماعية برزت خلال الأسابيع الأخيرة، متخذةً من مدينة العيون منطلقا لها قبل أن تمتد إلى النقاش العمومي على الصعيد الوطني. وتنشر هيئة التحرير هذا الرأي في إطار الإسهام في فتح نقاش هادئ وبنّاء حول هموم المواطنين اليومية، دون تبنّي أي دعوات أو مواقف محددة، إيمانا بأن الإنصات لانشغالات المجتمع يشكل خطوة أساسية في اتجاه معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

لم تكن الدعوات المتداولة مؤخرا حول مقاطعة بعض الأسواق مجرد رد فعل عابر، ولا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه فئات واسعة من المواطنين، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأساسية، وما رافقه من تآكل تدريجي في القدرة الشرائية. ويعكس هذا الوضع شعورا عاما بالقلق وعدم الاطمئنان، خاصة في غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب في كلفة المعيشة. وتشير معطيات غير رسمية، تداولتها تقارير دولية ومحلية، إلى تسجيل مستويات تضخم غير مسبوقة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ميزانيات الأسر.

اللافت في هذا السياق أن الشرارة الأولى لهذا النقاش انطلقت من العيون، حاضرة الأقاليم الجنوبية، على خلفية الارتفاع اللافت في أسعار لحوم الإبل، التي تُعد من المواد الأساسية في الاستهلاك اليومي بالمنطقة. فقد تراوح ثمن الكيلوغرام الواحد ما بين 130 و150 درهما في عدد من مدن الصحراء المغربية، وهو مستوى غير مألوف أثار موجة واسعة من التذمر والاستياء. ولم تقتصر هذه الزيادات على لحوم الإبل فقط، بل شملت مواد أخرى أساسية، ما عمّق الإحساس بثقل كلفة العيش لدى شرائح اجتماعية متعددة. ورغم انتشار النقاش بين بعض المدن، تبقى هذه الظاهرة، في المرحلة الراهنة، محدودة على الأقاليم الجنوبية للمملكة، خصوصا بين العيون وكلميم وادنون.

في هذا المناخ، برزت دعوات غير رسمية للمقاطعة، قادها مؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي ونشطاء في الفضاء الرقمي، دون أن تتخذ طابعا تنظيميا أو تصدر بشأنها بيانات أو مواقف مؤطرة. ورغم ذلك، وجدت هذه الدعوات صدى لدى فئات من المواطنين، وانتقلت تدريجيا من مطلب محلي مرتبط بغلاء مادة بعينها، إلى نقاش أوسع حول الأسعار وحدود تدخل المؤسسات في حماية المستهلك.

ولا يمكن اختزال المقاطعة، في هذا السياق، في بعدها الاستهلاكي الضيق، بقدر ما ينبغي فهمها كشكل من أشكال التعبير السلمي الصامت، حين يشعر المواطن بأن صوته لا يجد القنوات الكافية للتأثير، أو أن آليات الضبط والمراقبة لا تحقق النتائج المرجوة. فهي ليست هدفا في حد ذاتها، بل رسالة اجتماعية تحمل مطلبا واضحا يتمثل في العيش بكرامة، وفي حدود توازن معقول بين الدخل وتكاليف الحياة. ومع ذلك، يبقى من الضروري التنبيه إلى أن المقاطعة، وإن كانت مؤشرا على وجود خلل، لا يمكن اعتبارها بديلا دائمًا عن الحلول المؤسساتية، بل دليلا على أزمة حقيقية تستدعي معالجة عميقة وجذرية.

في المقابل، يفرض هذا الوضع مقاربة متزنة ومسؤولة في التعاطي مع الموضوع. فالسوق منظومة معقدة تتداخل فيها عوامل الإنتاج والتوزيع والمضاربة، كما تتأثر بالتحولات الوطنية والدولية. غير أن هذا التعقيد لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لضعف التواصل أو تأخر التدخلات. ومن بين المقترحات التي يطرحها هذا النقاش العمومي، تعزيز وتيرة المراقبة الاقتصادية، وضمان الشفافية في عرض الأسعار، إلى جانب التفكير في آليات دعم مؤقت لبعض المواد الأساسية إلى حين استقرار السوق.

إن ما يجري اليوم، سواء في العيون أو في باقي المدن، ينبغي قراءته كجرس إنذار اجتماعي، ودعوة صريحة إلى الإنصات لانشغالات المواطنين، وفتح نقاش مسؤول يوازن بين متطلبات السوق وحق المواطن في عيش كريم. فحين تضيق قنوات التعبير التقليدية، يلجأ المواطن إلى الصمت أو إلى المقاطعة، وحينها لا تكون المقاطعة أزمة في حد ذاتها، بل عرضا لوضع اجتماعي يحتاج إلى معالجة هادئة قبل أن يتسع نطاق القلق أكثر.

اترك تعليقا