Top

الطنطان.. التشهير يتصدر شكايات الجرائم الإلكترونية ويفتح النقاش حول حروب الحسابات الوهمية

حمادي سركوح

44 شكاية أمام النيابة العامة منذ بداية 2026.. والتشهير يستحوذ على أكثر من 54 في المائة من مجموع الشكايات المسجلة

تكشف المعطيات المتعلقة بشكايات الجرائم الإلكترونية المسجلة لدى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بطانطان، منذ فاتح يناير 2026 إلى غاية 9 أكتوبر الجاري، عن تصدر شكايات التشهير قائمة الملفات المعروضة، في مؤشر يسلط الضوء على جانب من النزاعات التي انتقلت من العلاقات اليومية إلى منصات التواصل الاجتماعي، وما تطرحه من إشكالات قانونية واجتماعية مرتبطة باستعمال الفضاء الرقمي.

وبحسب المعطيات المتوفرة، بلغ مجموع الشكايات المسجلة خلال الفترة المذكورة 44 شكاية، تصدرتها شكايات التشهير بـ24 شكاية، أي ما يقارب 54.5 في المائة من الإجمالي، متقدمة بفارق واضح على باقي الأفعال موضوع الشكايات، وهو ما يجعل التشهير أبرز عنوان في هذه الحصيلة.

وجاءت شكايات النصب والاحتيال في المرتبة الثانية بست شكايات، تليها شكايات التهديد بأربع شكايات، فيما سُجلت شكايتان لكل من السب والشتم والإزعاج وانتحال الصفة. كما تضمنت الحصيلة شكاية واحدة لكل من بث وتوزيع ادعاءات كاذبة، وتشويه السمعة، والقرصنة، وخيانة الأمانة.

وتعكس هذه الأرقام تنوع الأفعال موضوع الشكايات المرتبطة باستعمال الوسائط الرقمية، غير أن الحصة التي استأثرت بها شكايات التشهير تطرح تساؤلات بشأن طبيعة التفاعلات الافتراضية السائدة محليا، ومدى تحول بعض منصات التواصل الاجتماعي إلى امتداد لخلافات شخصية تتخذ أحيانا شكل حملات متبادلة من الإساءة والتجريح والمس بالحياة الخاصة والاعتبار الشخصي.

وفي هذا السياق، يبرز تحدي التمييز بين الاستعمال المشروع لحرية التعبير والنقد، وبين الأفعال التي قد تتجاوز حدود التعبير لتلحق ضررا بحقوق الآخرين وسمعتهم. فالنقاش العمومي، مهما اتسم بالحدة، لا يمنح أي طرف حصانة لتوجيه اتهامات غير مثبتة أو نشر معطيات تمس بالحياة الخاصة للأشخاص، كما أن مجرد تقديم شكاية لا يعني ثبوت الجريمة أو مسؤولية الشخص المشتكى به، إذ يظل الحسم من اختصاص الجهات القضائية وفق المساطر القانونية المعمول بها.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في ظل انتشار الحسابات التي لا تكشف بوضوح عن هوية أصحابها “faux comptes”، وما قد تتيحه لبعض المستخدمين من شعور زائف بالإفلات من المساءلة. فإخفاء الهوية خلف اسم مستعار أو صورة غير حقيقية لا يجعل الأفعال المرتكبة عبر الإنترنت خارج نطاق القانون، متى توافرت الشروط القانونية اللازمة لإثباتها ونسبتها إلى مرتكبيها.

ومن جهة أخرى، تفيد المعطيات المتوفرة بأن عددا كبيرا من هذه الملفات يُحفظ في انتظار التوصل بنتائج الانتدابات أو الأبحاث التقنية المطلوبة، وهو ما يسلط الضوء على أهمية الدليل الرقمي في معالجة هذا النوع من القضايا. فتحديد مصدر منشور أو حساب، والتحقق من المعطيات التقنية المرتبطة به، قد يتطلب إجراءات بحث متخصصة تتجاوز مجرد الاطلاع على المحتوى المنشور.

وتطرح هذه المعطيات، في بعدها المحلي، سؤالا أوسع حول مسؤولية مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي في ترسيخ ثقافة الاختلاف واحترام كرامة الأشخاص، بدل الانخراط في نزاعات رقمية تستنزف الوقت والجهد وتحوّل الخلافات الشخصية إلى سجالات مفتوحة أمام الجمهور. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي القانوني والرقمي، خاصة لدى الفئات التي تتعامل مع النشر والتعليق باعتبارهما مجالا بلا ضوابط أو تبعات.

إن حماية السمعة والاعتبار الشخصي لا تتعارض مع حرية التعبير، كما أن مكافحة التشهير لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتقييد النقد المشروع أو إسكات الآراء المخالفة. والتحدي الحقيقي يكمن في إرساء توازن يحمي الحقوق والحريات، ويضمن في الوقت نفسه عدم الإفلات من المساءلة عن الأفعال التي يثبت أنها تشكل جرائم بموجب القانون.

وتعيد حصيلة الشكايات المسجلة بطانطان طرح الحاجة إلى مقاربة تجمع بين التوعية والوقاية، وتيسير الولوج إلى آليات التبليغ والانتصاف، وتعزيز الإمكانات التقنية اللازمة للبحث في الجرائم الرقمية، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة. فالمطلوب ليس تحويل الفضاء الرقمي إلى مجال للخوف من التعبير، وإنما ترسيخ بيئة يمارس فيها الجميع حريتهم بمسؤولية، دون اعتداء على حقوق الآخرين أو استباحة سمعتهم.

اترك تعليقا