“إن المسؤول عن انهيار مملكة السماء هم رجال الدين أنفسهم! … أولئك كان ينبغي لهم أن يتجردوا من كل متاع الأرض، ويظهروا في زهدهم بمظهر المنتظر حقاً لنعيم آخر في السماء … لكنا نراهم هم أول من ينعم بمملكة الأرض، وما فيها من أكل طيب يكنزون به لحماً، وخمر معتق ينضح على وجوههم المورة، وتحت إمرتهم: السيارات يركبونها، والمرتبات يقبضونها! … إنهم يتكلمون عن السماء، وكل شيء فيهم يكاد ينطق بأنهم يرتابون في جنة السماء، وأنهم متكالبون على جنة الأرض. هؤلاء هم وحدهم الذين شككوا الناس في حقيقة مملكة السماء … إن كل ما بناه الأنبياء بزهدهم الحقيقي، وجوعهم، وعريهم، مما أقنع الناس بأن هؤلاء الرسل هم حقاً ينتظرون شيئاً في العالم الآخر .. جاء هؤلاء فدمروه! وكانوا أقوى دليل على كذب مملكة السماء، وخير دعاية لمملكة الأرض … وأنسوا الناس بانغماسهم في هذه الحياة، أن هنالك شيئاً آخر غير هذه الحياة!”
بهذه الكلمات النارية، التي قالها على لسان شخصية “إيفان” في روايته “عصفور من الشرق”، وجّه الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم سهام نقده اللاذع إلى رجال الدين الذين يرون أنهم حرّاس السماء، بينما تنطق أحوالهم بانشغالهم التام بمتاع الأرض.
توفيق الحكيم: رائد المسرح الذهني
وُلد توفيق إسماعيل الحكيم في 9 أكتوبر عام 1898 بمدينة الإسكندرية، لأب مصري من أصول ريفية عمل في سلك القضاء، وأم تركية أرستقراطية. تعلّم في مدارس دمنهور والقاهرة، ثم التحق بكلية الحقوق وتخرّج عام 1925، لتبعثه الدولة بعدها إلى باريس لمتابعة الدراسات العليا، حيث انصرف هناك عن القانون إلى الأدب والمسرح.
يُعدّ الحكيم أحد روّاد الرواية والكتابة المسرحية العربية، وقد لقّبه النقاد بـ “رائد المسرح الذهني”، وهو مذهب مسرحي ابتكره حيث تكون الشخصيات رموزاً، وتُكتب المسرحية لتُقرأ أكثر مما لتُمثّل على الخشبة. ترك خلفه إرثاً ضخماً تجاوز المئة عمل بين مسرحية ورواية وقصة.
رحل توفيق الحكيم عن عالمنا في 27 يوليوز 1987، بعد مسيرة أدبية وفكرية حافلة امتدت لعقود، خلّف خلالها إرثًا من الروايات والمسرحيات والدراسات التي جعلت منه أحد أبرز أعلام الأدب العربي الحديث. وظلت أعماله، بما حملته من رؤى فكرية وأسئلة إنسانية، حاضرة في المشهد الثقافي العربي حتى اليوم.

“عصفور من الشرق”.. رواية الصراع بين الشرق والغرب
صدرت رواية “عصفور من الشرق” عام 1938، وتُعد من أهم أعمال الحكيم الفكرية والأدبية. تحكي قصة “محسن”، الشاب المصري الذي يدرس في باريس ويقع في حب فتاة فرنسية تدعى “سوزي”، لكنه يكتشف أنها لا تبادله المشاعر ذاتها، وأنها استغلّته لملء فراغ عاطفي. غير أن الرواية ليست مجرد قصة حب، بل هي رحلة تأملية في الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، وتجسيد لحيرة المثقف الشرقي بين قيم الشرق الروحية ومغريات الغرب المادية.
وفي خضم هذه الرحلة، يلتقي محسن بصديق جديد هو “إيفان”، الذي يصبح قريباً منه، ويطلقه الحكيم ليكون لسان حاله في نقد التناقضات التي يعيشها المجتمع الشرقي، وعلى رأسها تناقض رجال الدين.
نقد لم يفقده قوته
ما زالت كلمات إيفان التي دوّنها توفيق الحكيم قبل نحو تسعة عقود، ما زالت تثير النقاش وتستوقف القراء، لأنها تلامس قضية جوهرية: فجوة الممارسة عن القول، وانفصال القدوة عن القداسة التي يفترض أن تمثلها. فالرواية، من خلال هذا المقطع، لا تهاجم الدين بقدر ما تهاجم توظيف الدين لخدمة أغراض دنيوية، وتحذّر من تحويل رجال الدين إلى “دعاية” لمملكة الأرض باسم السماء.
وفي ذكرى رحيله، ما تزال أعمال توفيق الحكيم حاضرة في المشهد الثقافي العربي، لما تطرحه من أسئلة فكرية حول الإنسان والمجتمع، وهو ما يفسر استمرار الاهتمام بها إلى اليوم.
