Top

قضايا الإعاقة والحصيلة الحكومية والتشريعية: زوبعة الشعارات وهشاشة المنجز

بقلم: حسن الفارسي/ باحث في الإعاقة البصرية وفاعل جمعوي

مع إسدال الستار على الولاية التشريعية والحكومية الحالية، يتداول في المشهد الحقوقي والسياسي سؤال حارق: ماذا أنجزت القطاعات التنفيذية والمؤسسات التشريعية على أرض الواقع لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة بمختلف تصنيفاتهم؟ نضع في هذا المقال حصيلة التدبير الحكومي والنيابي تحت مبضع قراءة نقدية معمقة، تستند إلى المرجعية الدستورية والمواثيق الدولية، لتفكيك واقع التهميش ومساءلة حجم المنجز الفعلي وعمقه عشية نهاية المرحلة التشريعية والحكومية.

1. الوثيقة الدستورية في ميزان الحصيلة: أين القوانين التنظيمية من تقارير اللجنة الموضوعاتية؟

يتوفر المغرب على ترسانة مرجعية متينة تضمن مبدأ الإنصاف؛ فالدستور في فصله الرابع والثلاثين يمنع كل أشكال التمييز ويُلزم السلطات العمومية بتيسير تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بالحقوق والحريات الأساسية. لكن، أين تجلت هذه القوة الدستورية في الحصيلة البرلمانية والحكومية؟

لقد بقيت المراسيم التطبيقية للقانون الإطار رقم 97.13 مشلولة ومجمدة في رفوف الأمانة العامة للحكومة لسنوات. وحتى عندما تحركت المؤسسة التشريعية عبر “اللجنة الموضوعاتية المكلفة بتقييم السياسات العمومية في مجال الإعاقة” بمجلس النواب، وأصدرت تقارير ودراسات مرجعية تدق ناقوس الخطر بشأن غياب الالتقائية وهشاشة الحماية الاجتماعية، كان حجم الإنجاز الحكومي مخيباً؛ إذ جرى الالتفاف على هذه الخلاصات وتجاهل توصياتها، ليظل السؤال مطروحاً: ما قيمة لجان التقييم والتقارير البرلمانية إذا كانت السلطة التنفيذية تفتقر للجدية والإرادة السياسية في تنزيلها وملاءمتها ميدانياً؟

2. معضلة التعليم والتكوين المجهض: دمج فيزيائي وفقر ديدكتيكي

عند إخضاع حصيلة قطاع التربية الوطنية والتكوين المهني للتقييم، نجد أن “التربية الدامجة” في المدرسة العمومية سقطت في فخ الشعارات الاستعراضية. إن حجم المنجز الميداني يكشف أن الأمر لم يتعدَّ كونه “دمجاً فيزيائياً” (مجرد إلحاق الفرد بالقسم) يفتقر بشكل حاد للأطر التربوية الكفؤة والمؤهلة، ويعاني من فقر ديدكتيكي مدقع وغياب تام للوسائل البيداغوجية الخاصة، ولا سيما للإعاقة البصرية.

أين هي البرامج والميزانيات المرصودة للتكوين المهني الدامج وتأهيل هذه الفئات لسوق الشغل؟ إن الواقع يؤكد تحول التعليم الخاص بهذه الفئة إلى آلية للتهميش الممنهج. فأين هي الحصيلة الرقابية للبرلمان في مساءلة الوزارة الوصية عن هذا الفشل الهيكلي الذي يجهض الحق في المعرفة والتكوين ويحكم على جيل كامل بالعزلة والجهل؟

3. مفارقة الاستهداف الاجتماعي ومخططات الإحصاء العقيمة

تميزت نهاية المرحلة التشريعية بدينامية ملحوظة في توجيه الأسئلة واكبتها تصريحات طمأنة فضفاضة. إلا أن تعديل نظام الدعم الاجتماعي المباشر عبر مشروع القانون رقم 041.26، كشف عن حجم التناقض الحكومي؛ فبينما تُبشر الحكومة بصون الكرامة، يُقصى الشخص في وضعية إعاقة بناءً على عتبة “المؤشر الرقمي الخوارزمي” للسجل الاجتماعي الموحد الذي يتجاهل تماماً كلفة الإعاقة الباهظة.

وبدلاً من تقديم منجزات ملموسة، تهربت الحكومة نحو دوامة مخططات وبحوث إحصائية وطنية متكررة —آخرها مشروع البحث الوطني الثالث حول الإعاقة— لتأجيل الحلول الواقعية. وهنا نطرح السؤال النقتي: هل يحتاج الشخص ذو الإعاقة إلى إحصاء جديد يستهلك الميزانيات، أم يحتاج إلى تمكين مالي وصحي حقيقي يخرجه من دائرة العوز والاقصاء الرقمي؟

4. المقاربات الدولية ومعضلة بطاقة الإعاقة الموقوفة

أمام العجز عن إخراج “بطاقة شخص في وضعية إعاقة”، يبرز تخبط بنيوي للحكومة في الانتقال من المقاربة الصحية الطبية التقليدية المعطلة إلى المقاربة المدنية والاجتماعية التمكينية. إن إرساء حماية اجتماعية حقيقية يستوجب الملاءمة مع معايير منظمة الصحة العالمية (WHO)، ولاسيما “التصنيف الدولي لتقسيم الوظائف والعجز والصحة” (ICF) لتكون البطاقة هي المعيار الوحيد والأوحد للاستفادة من الخدمات والدعم.

لكن الحصيلة التنفيذية والتشريعية بقيت عاجزة عن فرض هذه المقاربة الدولية، واستعاضت عنها بمؤشرات خوارزمية مجحفة. فكيف تبرر الحكومة بقاء هذه البطاقة حبراً على ورق لسنوات، وتفضيل المقاربة الطبية الإقصائية على المقاربة المدنية التمكينية؟

5. تفكيك المباراة الموحدة: سقف حديدي لتقنين الإقصاء وحرقة العطالة

في ملف التشغيل، يتضح حجم الخذلان التشريعي والتنفيذي بشكل صارخ؛ إذ تحولت “المباراة الموحدة” بموجب قرار ومنشور رئاسة الحكومة —كبديل التفافي عن التطبيق الشامل والتلقائي للمرسوم رقم 2.97.218 الصادر بتطبيق القانون رقم 07.92— إلى أداة لحصر كوتا الـ 7% في سقف حديدي هزيل لا يتعدى 200 منصب سنوي لكافة ربوع المملكة.

هذه الحصيلة الشحيحة كدست آلاف الملفات وأججت “حرقة” العطالة؛ حيث تُخصص منها حوالي 40 منصباً فقط لذوي الإعاقة البصرية، دون أدنى مراعاة للخصوصية البيداغوجية والجسدية لكل فئة. ومما يعمق حجم الإجحاف، فرض مركزة المباريات في الرباط مما يكبد المترشحين مشاق التنقل المادي والجسدي. فلماذا صمتت الفرق البرلمانية عن هذا الالتفاف التنفيذي الذي قزم حقوق التشغيل، ولماذا لا يتم العودة الفورية لمنطق التوظيف المباشر والمنصف بناءً على الشهادة والكوتا القانونية؟

6. هندسة التمييز المالي في مقتضيات المدونة العامة للضرائب

يمتد العجز والتمييز إلى الحصيلة المالية والتشريعية للولاية؛ فبالرجوع إلى مقتضيات المدونة العامة للضرائب (ولا سيما المادتين 92 و162 المتعلقة بالإعفاءات وتدابير تيسير الولوجيات)، وبتفكيك مقتضيات “الدليل الضريبي للمقاولات والمواطنين الخاص بالسيارات”، نجد أن إعفاءات اقتناء العربات تقتصر بشكل تمييزي على “الإعاقة الحركية” بشروط معقدة.

وفي المقابل، سجلت القوانين المالية إقصاءً بنيوياً وتاماً لذوي الإعاقة البصرية والسمعية والذهنية من حق تمكين أسرهم من وسيلة نقل ميسرة تصون كرامتهم. وينضاف إلى هذا الخلل المالي، استمرار الحواجز والتعقيدات الجمركية على استيراد واقتناء المعينات التقنية والخاصة ببعض الإعاقات البصرية (كاللوحات الإلكترونية الناطقة، البرمجيات الحاضنة، والمكبرات الرقمية) بغياب إعفاء شامل يدعم تمكينهم التعليمي والمهني. فأين هو دور البرلمان في تعديل هذه الفصول التمييزية الممعنة في ضرب المساواة والعدالة التوزيعية؟

7. البنية الحزبية والتمثيلية السياسية: استثناءات خجولة تُعد على رؤوس الأصابع

إن المراجعة الحقوقية والسياسية الصادقة تفرض الجهر بالواقع المرير للبنية الحزبية المغربية بتركيبتها الحالية؛ فهي لا تدرج الأشخاص في وضعية إعاقة وقضاياهم التمكينية في صلب برامجها أو هياكلها التقريرية، بل تتعامل معهم كخزان أصوات موسمي معزول.

وإذا ما نظرنا إلى حجم التمثيلية السياسية لهذه الفئة، فسنصطدم بـ “استثناءات خجولة جداً” على مستوى الجماعات والمجالس المحلية، وهي تمثيليات باهتة ومحدودة تُعد على رؤوس الأصابع وتُستخدم كواجهة تجميلية لا تملك وزناً سياسياً حقيقياً داخل مطبخ صناعة القرار الاستراتيجي. ونحن على أعتاب نهاية المرحلة التشريعية والحكومية الحالية، نتوجه بمطالبة قطعية وصريحة لتصحيح هذا البؤس؛ عبر القطع مع التهميش الحزبي، والارتقاء بتمثيليتهم السياسية في جميع المجالس المحلية، الإقليمية والوطنية لضمان مساهمتهم المباشرة في صياغة القوانين.

متى يُرفع الستار؟

بين التوازنات المالية الحذرة للحكومة ومطالب الإنصاف والتمكين الحقوقي، تقف حصيلة هذه الولاية عاجزة ودون مستوى التطلعات الأدنى للأشخاص في وضعية إعاقة بالمغرب. إن نهاية المرحلة التشريعية والحكومية الحالية ليست مجرد محطة عابرة، بل هي صرخة موضوعية تضع حجم المنجز في كفة، والوعود المؤجلة في كفة أخرى ليظهر حجم الخلل البنيوي.

الاستحقاقات المقبلة تضع البنية السياسية والدولة أمام محك حقيقي: فإما الانتقال الفعلي لنظام حقوقي يصون الكرامة ويطبق التوظيف المباشر والتربية الدامجة الحقيقية والولوجيات الشاملة، أو الاستمرار في إعادة إنتاج نفس الدوامة المكررة وسياسة الوعود المؤجلة. لقد حان الوقت ليرفع الستار وتتحول نصوص الدستور والمواثيق إلى واقع معاش؛ فإلى متى الانتظار؟

اترك تعليقا