Top

جدلية الذاكرة والتاريخ في رواية “نَفَس الله”: المثاقفة كمدخل لإعادة قراءة الماضي

يطرح الروائي عبد السلام بوطيب، من خلال روايته “نَفَس الله”، إشكالية العلاقة المعقّدة بين الذاكرة والتاريخ والنسيان، في سياق التحولات التي عرفتها الدراسات الإنسانية المعاصرة، مع التركيز على دور الحوار المثاقفاتي في إعادة قراءة الماضي وبناء أفق للعيش الإنساني المشترك.

تنطلق الرواية من مسار شخصية أحمد، مناضل يساري سابق اضطر إلى مغادرة بلده بسبب الملاحقة السياسية، قبل أن يفقد ذاكرته في ظروف غامضة. ورغم فقدانه للذاكرة، يواصل مساره الأكاديمي في باريس، حيث يحصل على دكتوراه في تاريخ الزمن الراهن وأخرى في العدالة الانتقالية، قبل أن يشتغل خبيراً في قضايا الاندماج الاجتماعي بمدينة أمستردام، مرافقاً مجموعات من المهاجرين الذين يعيشون توتراً دائماً بين ذاكرتهم الفردية والجماعية وبين التاريخ الرسمي لبلدانهم الأصلية.

وتجعل الرواية من هذا السياق فضاءً سردياً لاستكشاف التوتر القائم بين الذاكرة والتاريخ، وما يتخلله من نسيان وانتقاء وتأويل. كما تستحضر شخصيات متعددة، من بينها زوجة البطل، وهي طبيبة نفسية مغربية أمازيغية اختارت، بوعي، التنكّر لجزء من ذاكرتها الخاصة حفاظاً على توازن حياتها الزوجية، في إشارة إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية المعقّدة للذاكرة.

وتفتح الرواية، من خلال هذا البناء السردي، نقاشاً فكرياً حول أسئلة جوهرية من قبيل: هل يمكن للإنسان أن يعيش دون ذاكرة؟ وهل يمكن له أن يعيش دون تاريخ خاص به؟ وما حدود التداخل بين الحقيقة التاريخية وتمثلات الذاكرة داخل الجماعات والثقافات المختلفة؟

يستند العمل، على المستوى النظري، إلى خلفيات فلسفية وسوسيولوجية معاصرة، من بينها إحالة افتتاحية إلى كتاب «الذاكرة، التاريخ، النسيان» لبول ريكور، التي تؤكد أن ما وقع في التاريخ يظل واقعاً لا يمكن محوه، حتى وإن طالته التأويلات أو النسيان. كما يستحضر الكاتب تصورات علمية تعتبر الذاكرة بناءً اجتماعياً يتشكّل داخل أطر ثقافية ورمزية، في مقابل التاريخ الذي يسعى إلى التحليل النقدي للوقائع.

وتبرز المثاقفة في الرواية كآلية مركزية لإعادة تشكيل معنى الماضي، خاصة في سياق تعدد الذاكرات الجماعية داخل الفضاءات الهجروية المعاصرة. فالتفاعل بين ثقافات مختلفة لا ينقل عناصر ثقافية فحسب، بل يعيد أيضاً تأويل السرديات التاريخية، ويفتح أفقاً لتعدد القراءات والمعاني.

وفي هذا الأفق، تقترح رواية “نَفَس الله” تصوراً يعتبر أن فهم الماضي لا يتحقق عبر التاريخ أو الذاكرة وحدهما، بل من خلال حوار مستمر بينهما داخل فضاء المثاقفة، بما يسمح بإعادة بناء المعنى المشترك للماضي، ويساهم في ترسيخ قيم العيش المشترك العادل.

اترك تعليقا