في مثل هذا اليوم، تمرّ ست وعشرون سنة على رحيل الأديب والروائي السوري هاني الراهب (6 فبراير 2000)، أحد الأصوات السردية المتمردة والمتأملة في الرواية العربية الحديثة، والذي شكّل حضوره علامة فارقة في مسار الكتابة الروائية العربية منذ ستينيات القرن الماضي.

هاني الراهب، الذي سحر أجيالا من القرّاء بأعمال خالدة من قبيل “المهزومون” و “الوباء” و “بلد واحد هو العالم”، ظل كاتبا استثنائيا اقتحم عالم الرواية بجرأة فكرية ورؤية استشرافية نادرة، جعلت من نصوصه مرآة عميقة لتحولات الواقع العربي وأسئلته الوجودية والسياسية. ورغم القيمة الأدبية والفكرية لأعماله، فإن اسمه يُستعاد اليوم على استحياء، في وقت أحوج ما تكون فيه الذاكرة الثقافية العربية إلى إعادة الاعتبار لرموزها الكبرى.
وُلد هاني الراهب بمدينة اللاذقية سنة 1939، وبدأ محاولاته الأولى في الكتابة الروائية وهو في سن الرابعة عشرة. درس الأدب الإنجليزي بجامعة دمشق، ثم بالجامعة الأمريكية في بيروت، قبل أن ينال شهادة الدكتوراه من جامعة لندن في الأدب الإنجليزي. اشتغل بالتدريس في جامعة دمشق، ثم في دولة الكويت، غير أن شغفه الحقيقي ظل منصبّاً على الرواية باعتبارها فضاءً للتفكير والسؤال والاحتجاج.
دخل الراهب عالم السرد من بابه الواسع عبر روايته الأولى “المهزومون”، التي كتبها خلال ثلاثين يوماً فقط، ونالت جائزة مجلة “الآداب” البيروتية سنة 1961، وكان حينها طالبا جامعيا لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره. منذ هذا العمل المبكر، برز ككاتب يمتلك رؤية خاصة وحدساً استباقيا يقترب أحيانا من النبوءة، خصوصا في تشخيصه لأعطاب الواقع العربي وتفكك بنيته السياسية والفكرية.
في “المهزومون”، التي حملت تأثيرات واضحة للفلسفة الوجودية والسارترية، قدّم الراهب قراءة نقدية عميقة للحالة العربية، متوقعاً سقوط الشعارات الجوفاء وانكشاف هشاشة الأنظمة، وهو ما ستؤكده لاحقاً سلسلة الهزائم والانكسارات العربية، داخليا وخارجيا، في مشهد تراجيدي طويل.

وقد أغنى هاني الراهب المكتبة العربية بمجموعة من الأعمال الروائية والقصصية، من أبرزها:
“المهزومون” (1961)، “بلد واحد هو العالم” (1965)، “المدينة الفاضلة” (1969)، “شرخ في تاريخ طويل” (1970)، “ألف ليلة وليلتان” (1977)، “جرائم دون كيشوت” (1978)، “الوباء” (1981)، “التلال” (1989)، إلى جانب أعمال أخرى صدرت قبل وفاته وبعدها، مؤكدة استمرارية مشروعه الأدبي وعمقه الإنساني.
في ذكرى رحيله، لا تُستعاد سيرة هاني الراهب بوصفها مجرد محطة زمنية، وإنما باعتبارها دعوة مفتوحة لإعادة قراءة مشروع روائي ظل وفياً للأسئلة الكبرى، ومخلصاً للإنسان في لحظات هزيمته وقلقه وأمله. هو أديب رحل جسداً، لكنه ما زال حاضرا بنصوصه، شاهدا على زمن عربي لم يبرأ بعد من جراحه.
