Top

تشجير شوارع الداخلة بالنخيل..خيار جمالي أم إشكال بيئي واقتصادي؟

الداخلة

تشهد مدينة الداخلة خلال الآونة الأخيرة دينامية عمرانية متسارعة، رافقتها مجموعة من مشاريع التهيئة الحضرية التي همّت عدداً من الشوارع والساحات العمومية، لاسيما على مستوى مدخلي المدينة بكل من شارع الولاء وشارع ولي العهد. وقد تميّزت هذه الأشغال بالإكثار من تشجير النخيل، وبالخصوص صنف “الواشنطونيا”، على جنبات عدد من المحاور الطرقية الرئيسية.

ورغم ما يحمله هذا الاختيار من بعد جمالي ورمزي ينسجم ظاهريًا مع الطابع الصحراوي للمدينة، إلا أنه يثير، في العمق، نقاشًا واسعًا حول جدواه البيئية والاقتصادية داخل المجال الحضري، ومدى ملاءمته لحاجيات الساكنة وخصوصيات المناخ المحلي.

فعلى المستوى البيئي، يرى متابعون للشأن المحلي أن النخيل لا يحقق الأدوار الأساسية المنتظرة من التشجير الحضري، وعلى رأسها توفير الظل وتلطيف الأجواء. إذ يظل تأثيره محدودًا مقارنة بأصناف أخرى من أشجار الظل ذات الكثافة الورقية العالية، خاصة في مدينة تعرف برياح قوية وارتفاعًا نسبيًا في درجات الحرارة خلال فترات من السنة، ما يقلل من استفادة المواطنين الفعلية من وجوده في الفضاءات العمومية.

ومن جهة أخرى، يطرح تشجير النخيل إشكالية مرتبطة بالاستهلاك المرتفع للمياه، في سياق تعرف فيه مدينة الداخلة ضغطًا متزايدًا على مواردها المائية. فالحفاظ على هذا النوع من الأشجار داخل الوسط الحضري يتطلب سقيًا منتظمًا وكميات مهمة من المياه، وهو ما يتعارض، بحسب فاعلين بيئيين، مع التوجهات الداعية إلى ترشيد الاستهلاك واعتماد حلول مستدامة تتلاءم مع خصوصيات المناطق الجافة.

ولا تقف الإكراهات عند هذا الحد، إذ تشير ملاحظات عدد من الفاعلين المحليين إلى ما قد تسببه جذور النخيل من أضرار محتملة للبنية التحتية، إضافة إلى مخلفاته التي ترفع من كلفة الصيانة والنظافة، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على ميزانية الجماعة الترابية.

اقتصاديًا، يُعد النخيل من الأصناف ذات التكلفة المالية المرتفعة، حيث قد يتجاوز ثمن النخلة الواحدة في بعض الحالات 10000 درهم، فضلًا عن حاجته إلى عناية مستمرة من حيث التقليم، الحماية من الآفات، وتعويض الأشجار المتضررة. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى عقلانية هذا الخيار، خاصة في ظل توفر بدائل نباتية محلية أو متوسطية أقل تكلفة، وأكثر نجاعة من حيث التظليل وتحسين جودة الهواء.

أمام هذه المعطيات، يتساءل متتبعون عن المعايير المعتمدة في اختيار النخيل كعنصر أساسي في تشجير شوارع الداخلة، داعين إلى ضرورة إشراك خبراء البيئة والمهندسين الحضريين في بلورة سياسة تشجير تقوم على أسس علمية واضحة، تراعي حاجيات الساكنة وتحترم التوازنات البيئية.

ويظل تشجير المدن رهانًا حقيقيًا لتحسين جودة العيش وتعزيز جاذبية الفضاء الحضري، شريطة أن يتجاوز البعد الجمالي الظرفي نحو رؤية مستدامة تجعل من الشجرة عنصرًا وظيفيًا يخدم الإنسان والمدينة على حد سواء.

اترك تعليقا