Top

كأس ضاعت بين الضغط والخبث الكروي..والنهائي المُر درس في قسوة الجزيرة

لم يكن المنتخب المغربي في النهائي في أعلى جاهزيته الذهنية ولا البدنية، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى شماعات أو تبريرات جاهزة. واقع بسيط يفرض نفسه بوضوح، ويضعنا أمام مسؤولية قراءة ما جرى بعقل بارد، بعيدًا عن الانفعال والعاطفة.

يبدو أن كل ما امتلكه اللاعبون من قدرة على مقاومة الضغط والتوتر، في مونديال إفريقي نُظم على أرضنا وأمام جمهورنا، قد استُنزف بالكامل في مباراتي الكاميرون ونيجيريا. وكأن المنتخب دخل المباراة النهائية بشيء من التراخي النفسي، نتيجة قناعة غير معلنة بأن الكأس حُسم منذ ربع النهائي ونصفه.

بصراحة، ما يزال المنتخب المغربي يفتقد إلى ذلك “الخبث الكروي” ودهاء التفاصيل الصغيرة، أو ما يُسمى في القاموس الإفريقي لكرة القدم بـ“التحرايميات”، التي تحولت إلى سلاح حاسم في مباريات الكؤوس داخل هذه القارة القاسية.

ضربة الجزاء التي غيّرت مجرى اللقاء كانت مشروعة من الناحية القانونية، وتوقيتها كان قاتلًا دون شك. غير أن ما رافقها من مسرحية مفتوحة قدّمها المنتخب السنغالي، نجح في تشتيت تركيز لاعبينا إلى أقصى حد. مشاهد التوتر والفوضى بلغت حد أن لاعبي المنتخب المغربي وجدوا أنفسهم يتوسلون الخصم للعودة إلى أرضية الملعب، في وقت كانوا يريدون فيه الفوز بهدوء، دون بوليميك، دون ضجيج، ودون عبث.

وبعيدًا عن طريقة تنفيذ ركلة الجزاء، لا يمكن تحميل إبراهيم دياز أي مسؤولية. الرجل كان نجم البطولة دون منازع، وما وقع في تلك اللحظة لم يكن حدثًا معزولًا، بل نتيجة سياق كامل من الضغط والتشويش سبقها.

المغرب دخل هذه البطولة بحلم مشروع، حلم التتويج بعد غياب دام نصف قرن. وفعليًا، وفّر كل شروط المنافسة المثالية، من تنظيم محكم، وبنية احترافية، وأجواء أقرب إلى البطولات الأوروبية منها إلى الصورة النمطية للكرة الإفريقية.

في المقابل، واجه المنتخب المغربي حملة ممنهجة لتسميم الأجواء منذ ما قبل انطلاق البطولة. اتهامات مجانية، هرطقات حول تحكم الجامعة المغربية في دواليب “الكاف”، دون أي دليل واقعي. المؤسف أن دولًا كنا نعتبرها شقيقة وصديقة، شاركت في هذا العبث، لتسقط معها أوهام الأخوة حين تختبرها المصالح.

مع ذلك، تبقى كرة القدم مجرد رياضة، لا علاقة لها بالتقدم أو التخلف، ولا تصلح مقياسًا للحضارة. يكفي أن نقارن بين دول كبرى في التاريخ والسياسة وأخرى صغيرة في الجغرافيا لندرك أن الكرة لعبة تضخمت أكثر مما ينبغي.

لسنا مطالبين بتهنئة أي منتخب. ما يعنينا هو المنتخب المغربي فقط، وما يهمنا هو هذا الوطن. العاطفة هنا ليست حيادًا، بل موقف.

على المغرب أن يستخلص الدروس اللازمة من هذه التجربة. لقد دفع ثمنًا باهظًا لإنجاح بطولة كان واضحًا أن أطرافًا عديدة دخلتها وهي ضده، لا لأسباب رياضية فقط، بل لحسابات تتجاوز المستطيل الأخضر.

الرهان اليوم هو ألا نكرر السباحة في النهر نفسه آلاف المرات، ونحن ننتظر نتيجة مختلفة. فالعاقل، كما هو معلوم، لا يكرر الخطأ ذاته منتظرًا مآلًا جديدًا.

نؤمن بالروح الرياضية، ونؤمن بأن الربح والخسارة قانونان في كرة القدم. لكن ما حدث في هذا النهائي لم يكن خسارة عادية. لقد كانت خسارة بطعم القذارة، قذارة الممارسات غير الشريفة، وقذارة حملات ممنهجة صُرفت عليها الملايير، وقادتها أطراف إقليمية معروفة، واستُخدمت فيها أبواق بلا خجل.

نقول ذلك بوضوح، ثم نمضي، تحية للدراري، وبرافو على ما قُدم. خيرها في غيرها. لقد كان درسًا قاسيًا، لكنه ضروري، لإعادة النظر في كثير من السلوكيات، ومنها الحفاوة المبالغ فيها، والسعي الدائم لاستعطاف الآخر وكسب ودّه.

آن الأوان لتذكير أنفسنا، اليوم وغدًا، بمقولة عبد الله العروي: قدرنا أن نعيش في جزيرة اسمها المغرب، وعلينا أن نتصرف كسكان جزيرة مطوّقة.

اترك تعليقا