Top

إبراهيم أصلان: الإيمان بالفعل وجمال الكتابة عن الهامش في ذكرى رحيله

تحلُ، غدا 7 يناير، ذكرى رحيل الأديب المصري الكبير إبراهيم أصلان 1935 – 2012، أحد أبرز الأصوات السردية في الأدب العربي الحديث، وكاتب ارتبط اسمه بالقصة القصيرة ارتباطا جعل النقاد يلقبونه بـ“شاعر القصة القصيرة”، ليس فقط لإتقانه هذا الجنس الأدبي، بل لما اتسمت به لغته من شاعرية شفيفة وقدرة نادرة على التقاط جوهر الإنسان في لحظاته البسيطة والهامشية.

عاش إبراهيم أصلان حياة عادية في ظاهرها، متقلبة في تفاصيلها، حيث اشتغل بعدة مهن قبل أن يستقر في العمل الصحفي بمؤسسة “أخبار اليوم”، وهي التجربة التي فتحت أمامه تماسًا مباشرًا مع المجتمع وحركته اليومية. جاء أصلان من قلب الأحياء الشعبية، وعاش بين ناسها، فكتب عنهم لا بوصفهم حالات اجتماعية، بل بوصفهم بشرًا كاملين، لهم أحلامهم الصغيرة وخيباتهم الصامتة، بعيدًا عن أي تزيين رومانسي أو خطاب وعظي مباشر.

شكلت رواية “مالك الحزين” علامة فارقة في مساره الإبداعي، حيث قدّم من خلالها رؤية إنسانية عميقة للعالم، رؤية تنشغل بالسؤال الأخلاقي أكثر من انشغالها بالسرد الحدثي. ومن رحم هذه الرواية خرج واحد من أكثر الأسئلة دلالة في مشروعه الأدبي، حين جعل إحدى شخصياته تقول: “أنا لا يعنيني ما تؤمن به، يعنيني ما الذي يمكن أن تفعله بهذا الإيمان؟”، وهو سؤال يلخص فلسفة أصلان في نقل الإيمان من دائرة الفكرة المجردة إلى مجال الفعل والمسؤولية الإنسانية.

كان إبراهيم أصلان كاتب التفاصيل الصغيرة بامتياز، يرى المعنى في النظرة العابرة، والوجود في لحظة صمت، والحياة في مشهد يومي قد يبدو عاديًا للوهلة الأولى. في مجموعاته القصصية، نسج عوالمه بهدوء، دون ضجيج لغوي أو افتعال درامي، معتمدًا على اقتصاد لغوي صارم، جعل من نصوصه لوحات إنسانية مكتملة بأقل عدد ممكن من الكلمات.

رحل إبراهيم أصلان جسدًا في 7 يناير 2012، لكنه بقي حاضرًا في نصوصه التي لم تفقد راهنيتها، لأن أبطالها ما زالوا بيننا: البسطاء، والمهمشون، وسكان الأطراف الذين يخوضون معركة الحياة بصمت. لقد منحهم أصلان صوتًا، وحفظ كرامتهم السردية، وجعل منهم أبطالًا لأدب لا يشيخ ولا يفقد راهنيته.

في ذكرى رحيله، لا نستعيد سيرة كاتب فقط، بل نستعيد سؤالًا أخلاقيًا وإنسانيًا ما زال مطروحًا بإلحاح: ليس ما نؤمن به، بل ما نفعله بهذا الإيمان. سؤال بسيط في شكله، عميق في أثره، وهو جوهر ما تركه إبراهيم أصلان إرثًا أدبيًا وإنسانيًا.

في زمن يصبح فيه الهامش أكثر اتساعاً، وتغيب فيه التفاصيل الصغيرة تحت وطأة الضجيج، تظل نصوص إبراهيم أصلان بمثابة مدرسة في التأني والأنسنة والتأمل. هي دعوة لإعادة النظر إلى من حولنا، ليس كأرقام أو فئات، بل كعوالم كاملة تستحق أن تُروى، وكأسئلة أخلاقية حيّة تستحق أن تُطرح.

اترك تعليقا