في الخامس عشر من نونبر تعود ذكرى رحيل الأديب المغربي محمد شكري، الكاتب الذي خرج من أعماق الهامش ليصنع بصوته الخاص واحداً من أكثر المسارات الأدبية فرادة في المغرب والعالم العربي. هو شاهدٌ على العنف والجمال في آن، وراوٍ للجرح الإنساني بصدق لا يساوم، وكاتب امتلك جرأة النظر إلى الأعماق التي تخشاها اللغة.

وُلد محمد شكري سنة 1935 في آيت شيكر بإقليم الناظور، في حضن جبال الريف، حيث عاشت أسرته قسوة الفقر والتنقّل. وحين انتقلت العائلة إلى طنجة سنة 1942، كان الطفل الأمازيغي يحمل لغته الأم فقط، غريبا عن العربية وعن المدينة التي ستشكل قدَره الأدبي. في شوارع طنجة وساحاتها تعلّم شكري أبجديات الحياة قبل أبجديات الحروف: عمل صبيا في مقهى، ثم حمّالاً، وبائع جرائد، وماسح أحذية، وتاجر سجائر مهربة. كان الشارع مدرسته الأولى، وكان البقاء درسا يوميا.
في العشرين من عمره، قرر الانفصال عن عالم التسكع والتهريب والسجون، فكان دخوله المدرسة بمدينة العرائش بداية تحوّل حاسم في حياته. من هذا التحول وُلد الكاتبُ الذي انتقل من ضياع الهامش إلى نور المعرفة، قبل أن يصبح معلما، ثم روائيا يشتغل على جراح الذاكرة بشجاعة نادرة.
نشرت له مجلة “الآداب” اللبنانية قصته الأولى “العنف على الشاطئ” سنة 1966، لتنطلق بعدها رحلته الأدبية التي ستجعل اسمه مرادفا للصدق والجرأة. وبعد تقاعده النسبي، تفرغ للكتابة، واشتغل في الإذاعة من خلال برامج ثقافية كان يعدها ويقدمها في إذاعة طنجة، خاصة برنامجه الشهير “شكري يتحدث”، الذي حمل صوته إلى مستمعين كثر كانوا يجدون فيه صدقا مشابها لصدقه في الأدب.
في نصوص محمد شكري، تتحول الأشياء اليومية الصغيرة إلى فضاءات شعرية تنبض بالحياة، وتصبح الشخوص الهامشية جزءاً من سرد يتجاوز الحكاية نحو كشف المستور. جعل من “العالم السفلي” – عالم البغايا والسكارى والمهمّشين – موضوعا مركزيا في كتابته، وفتح الباب على عوالم كان الأدب العربي يتردد في الاقتراب منها. وكانت سيرته الذاتية الشهيرة “الخبز الحافي” الكتاب الأكثر إثارة للجدل، لأنها لم تُهادن المجتمع ولا الرقابة، ووضعت القارئ أمام حقيقة صادمة بقدر ما هي إنسانية.
ظل شكري وفياً لطنجة، مقيمًا فيها معظم حياته، ولم يتزوج قطّ. كان يخشى أن يورّث طفلاً ما ورثه هو من قهر، قائلاً عبارته الشهيرة: “لكي أصبح أبا لابن عليّ أن أتزوج… وأنا لا أثق في نفسي”. إنها جملة تختصر هشاشته وعمق جراحه، وتكشف الجانب الخفي من شخصية تبدو صلبة في نصوصها، رخوة في مخاوفها.

رحل محمد شكري في 15 نونبر 2003، لكنه ترك إرثا أدبيا يستمر في إشعال الأسئلة: “الخبز الحافي”، “الشطار”، “وجوه”، “مجنون الورد”، “الخيمة”، و”السوق الداخلي”، وغيرها من النصوص التي جعلت من الأدب مرآةً للمسكوت عنه، وشهادةً على قدرة الإنسان على تحويل الألم إلى كتابة تنجو من النسيان.

